Jun 30, 2009

المعاملة


قال رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - ( أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ) رواه مسلم

لكل مكان مورد تلج إليه من خلاله الأشياء، و غياب ذالك المورد يطفي على المكان صفة الإنغلاق، الطبيعة البشرية هي طبيعة غير انغلاقية تبنى على التعامل سواءا كان هذا التعامل حسي كالبيع و الشراء و غير ذالك أو شعوري كالود و الحب و الإخاء و غيرهم، و الطريف هنا أن كل هذه الصفات التعاملية الشعورية مصدرها القلب، و القلب المقصود هنا هو القلب الوجداني و ليس ذالك العضو الذي يتكون من أذينين و بطينين أيمنين و أيسرين، و قد يشكل هنا البعض في اقتصارها على القلب و يقحم العقل كمتحكم للتصرف البشري الفعلي الشعوري و ليس الوجداني، و اقحام العقل هنا خطأ حسبما أراه لأنه و ببساطة شديدة نجد في كثير من المواقف الإنسانية ما ينافي المنطقية أو سلطة العقل، و الأمثلة كثيرة على ذالك منها دفع التبرعات مثلا، و لم أقل الزكاة و الصدقات و الحقوق الشرعية حتى لا يحتج بأنها التزامات شرعية تجبر الإنسان على مخالفة العقل، فالتبرعات مثلا خطوة عملية انسانية وجدانية بحتة تحرك عواطف من يقوم بها عن طريق ترقيق قلبه و تحرك عواطف من يستلمها عن طريق التأثر بمن قدمها و تحرك عواطف من تابعها و شهدها عن طريق استمالته لعمل يحقق السعادة لإنسان آخر مثلا، و بالتالي نجد أن الأجواء العملية لأي عملية تبرعية هي أجواء تحابب و ود يغلب عليها الطابع الشعوري القلبي لا الحسي العقلي، فالعقل يصف من يقدم جزءا كبيرا من ماله لغيره بالخاسر، إلا إذا كان لشراء ذمم أو مواقف أو تباه أو رياء، و الذي يخوض في قرى الفقر وفق النظام العقلي البشري هو الذي يضيع وقته بالتعرض لمناظر قبيحة في حين أنه من الممكن أن تصرف نفس الأموال بالتنزه في أرقى و أفخم المنتزهات العالمية و لا ضير، من خلال هذه المقدمة نجد أن القلوب هي منابع و مصادر الشعور الإنساني الدافع للعمل الطاهر الراقي


يعتبر الخلق نظام عملي بحت يعكس الإنسان من خلاله ما يختزن في قلبه من شعور، فالعمل الحسن أساسه القلب السليم و العمل السيء أساس القلب العليل، و لطالما يقع في مصائد المجتمعات من يرائي الناس بالخلق الحسن و هو يكن في قلبه أخلاقا سيئة، أحقادا كانت أم نعرات أم سفالة أم بذاءة .... إلخ، لأن النقاء و الصفاء هما الأصالة في الأشياء، و بهذا تكون بداياته التعاملية مع الناس ناجحة إلى أن يبدأ بإظهار نواياه و أحاسيسه التي تفضحه، محبة الناس تزرع شعورا راقيا في القلوب، تجعل الإنسان يحس بأنه نقي الذات، فالمحبة صفة ربانية و الكره و البغض صفة شيطانية، و قد يكسب حب الناس من يملأ جيوبهم مالا و يرقيهم جاها و يكسبهم سمعة و سلطانا، و لكن ما يفتئ أن يخسر كل هذا بمجرد انحسار القيمة العطائية لكل ما مضى


مفاتيح قلوب البشر هي المعاملة التي يجدونها بينهم، و حينما يستطيع الإنسان أن ينقي قلبه من الأضغان و الأحقاد و الشرور و حب المال و الجاه و الدنيا و السلطان و جميع ما هو زائل يستطيع أن يلج إلى القلوب و يمتلكها بخلقه و محبته، و كما أسلفت فالخلق عمل و ليس قول و لقلقة لسان كما نشاهده من الكثيرين، الإبتسامة بوجه من تقابله و اللين في القول و الرقة في التعامل ليس منقصة للإنسان بل من أعلى مراتب التعامل البشري التي أمر بها الله سبحانه و تعالى "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" فأدب التعامل ليس قائما على التدافع و التناحر و التقاذف و سيادة الكلمة، و لكنه قائم على عدة أمور منها ما أوصى به المصطفى صلوات الله و سلامه عليه و آله في هذا الحديث و هناك العديد منها، و كيف لا و هو من بعث متمما لمكارم الأخلاق، و كيف لا و هو من قال فيه جبار السماوات و الأرض " وإنك لعلى خلق عظيم"، فمن ينشد الخلق الحسن فيبدأ بتطهير قلبه من كل بقعة مظلمة، من كل ضغينة، من كل إحساس مشين، و إلا فلا خلق حسن ، و القلوب مريضة نتنة و الوجوه عابسة حاقدة


كانت هذه خاطرة ماطرة تكدس غمامها بمرورنا بحديث المصطفى صلوات الله و سلامه عليه و آله الذي نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا التحلي بخلقه و التأسي بأفعاله


13 comments:

Yang said...

قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ( إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) [رواه مالك ]

ومن الآثار المترتبة على الأخلاق الحسنة:

الأثر الأوّل : تكامل الإيمان :
ذلك لأنّ الدين الإسلامي في نظر أهل البيت ( عليهم السلام ) ليس مجرد علاقة بين العبد و ربّه ، و إنّما هو علاقة بين العبد و بين أخيه العبد ، ولم تتم علاقة الإنسان مع ربّه لم تقبل أعماله و عباداته إلاّ إذا تمّت علاقة مع أخيه الإنسان .
عن الإمام الباقر ( علية السلام ) : ( إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) .

الأثر الثاني : مضاعفة الحسنات و غفران السيئات :
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : ( إنّ صاحب الخلق الحسن له مثل أجر الصائم القائم ) .
و عنه ( صلى الله عليه و آله ) : ( ما يوضع في ميزان أمرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق ) .

الأثر الثالث : السعادة الأبدية من خلال الفوز بالجنّة والنجاة من النار :
قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : ( أكثر ما تلج به أمّتي الجنّة تقوى الله و حسن الخلق يعمّران الديار و يزيدان في الأعمار ) .
و جاء في الأثر أنّ الله تعالى أدخل كافراً الجنّة لأنّ أربعين رجل شهدوا له بحسن الخلق .
و قد قال العارفون قديماً : حسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات ، و سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات .


منقول: http://www.alalam.ir/site/assay/lifepage583.htm

Manal said...

مساء الخيرات اخوي بو محمد
وشكرا على هالموضوع القيم

فعلا
في بعض الاوقات ترا ناس ما همهم الا التكشير بوجوه الآخرين
!!!

ليش ما تدري بس يمكن نحاسة


الفلوس عمرها ما يابت السعادة
القناعة
هي الاهم

وحب الناس والاهتمام براحتهم
وخصوصا المقربين

معاشرة الناس بالحسنى مهمة
للحياة وبعد الممات

احسنت اخي الكريم
:)

والصورة عجيييييييييييييييييييبة

:)

Safeed said...

في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام
" حسن العقل جمال البواطن و الظواهر "

أما البواطن فهي الملكات النفسية ، سعة النفس و تقبلها للآخرين و مدى ايمانها

أما الظواهر فهي سلوكياتنا التي نتعامل بها مع الناس .. حين تتطابق هذه السلوكيات مع البواطن تكون علامة حسن العقل لان صاحبها يفعل ما يؤمن به و لا يؤمن بشيء و يفعل عكسه

الأخلاق أصلها باطني و فرعها ظاهري .. فمن أراد قبول الناس له أصلح باطنه لينصلح ظاهره


بالنسبة للفقرة الاولى ، فيمكن تبريرها بالإيمان .. العقل يحكم على التبرع بالصفقة الرابحة إذا كان ايمان صاحبه يعطيه الأمل بان هذا التبرع القليل في الدنيا مردوده كبير في الآخرة

أتفق معك بان المسالة "وجدانية" أكثر مما هي عقلية .. و لكن عقل الإنسان قادر على معرفة الصواب و الحكم به إذا صلحت سريرته .. لذلك في الرواية
" التقوى تزين الأخلاق "

:)

مطعم باكه said...

مساك الله بالخير بومحمد ..

مشكلة احيانا الشخص لا يسيطر على نفسه ..

خصوصا ساعات الغضب , والا كرم الأخلاق وحسن المعاملة هو السبيل الأفضل للتعامل , حتى لو كانت الغاية دنيوية , فحسن المعاملة تحقق هذه الغاية ..

دمت بخير ..

Anonymous said...

Just read a post by Safeed about the same sort of subject; religion and behavior.

What I find great about religion(s) is their advocacy for simplicity, humbleness, and moderation, which would guarantee happiness.

There's naturalism in religion, I guess, or a push for a more organic and simple life.

بو محمد said...

Yang

أحسنت حبيبي على هذا الإضافة المثرية للفكرة و الموضوع حقيقة و أثابك الله على ذالك بوافر أجره إن شاء الله

أعجبت بتوزيع الآثار و كيف يتناول كل منها جانب حياتي و آخر عملي و آخر أخروي، فهذه تغطية فعلية للمسيرة الإنسانية منذ القدوم إلى هذه الدنيا إلى الحساب

و لكن ما أستغرب منه أخي و حبيبي هو أن تفسر مكارم الأخلاق على أنها ضعفا و بالتالي ينصرف عنها البعض خشية الوصف بالضعف و الوهن

جعلك الله و كل من أحببت و إيانا من مصاديق مكارم الإخلاق إن شاء الله

دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله
-----
Manal

مساء الخيرات و الرضى و الأنوار الإلهية عليكم اختي و على حبايبكم


كلامج عدل و الله اختي

مع إن العملية بسيطة

ابتسامة و اصلاح سرية

و لكنها صعبة على من

لا يملك السيكرة على قلبه

أحسن الله إليكم اختي

و احتسبكم عنده إن شاء الله من المحسنين

الصورة صج عجيبة اختي
هذا اللي مصورها يا مفبركها أو حظه من قلب يكسر الصخر

:-)

دمت و الأهل و الأ؛بة برعاية الله
-----
Safeed

أحسنت أبا السفد على الإثراء في التعليق، و هذه عادة سفيدية معهودة

أما بالنسبة لتعليك على الفقرة الأولى أخي و حبيبي


فكلامك صحيح مليون بالمئة و لكن مشروط بوجود الإيمان الطاهر الذي ينقي القلوب، و لكن بالنسبة لقضية التبرعات فإنك تجدها أيضا من غير المسلم و لها دوافعها الخاصة و هي تنقسم أيضا إلى عقلية و وجدانية، لن أتطرق إلى العقلية منها لضيق المقام و لكن الوجدانية منها مرتبطة بوجود رقة في القلب، و هذه الرقة هي العنصر الذي يغيب حنى عن بعض القلوب المسماة مؤمنة اصطلاحا

ما ادري إن كانت وضحت الفكرة هنا

رحم الله والدينك

"التقوى تزيين الأخلاق"
فالخلق المشين يخالف التقوى و الرابط ، بين الملكتين هنا أصلا محذوف، تقوى و خلق مشين لا يجتمعان

دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله
-----
مطعم باكه

يمسيك ربي بكل الخير و الرضى و النور

كلام سليم حبيبي، و لذالك أوصانا المصطفى صلوات الله و سلامه عليه و آله بالسعي نحو التشبع بملكة كظم الغيض، و سيرته صلوات الله و سلامه عليه و آله حافلة بمواقف كظم الغيض

و اما لبقية الجزئيات فكلامك صحيح و سليم دون أدنى شك
:-)
-----
Anonymous

What you brought up in your comment is absolutely true. Thats why religious practices and behavior are always both inter- and intraconnected among eachother in one side and to the will created within one's heart. Because, deeply within our hearts we always seek simplicity and stability. We avoid com;ications complixities because they always create a state of confusion.

please accept my appreciations and gratitude

دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله

أحمد الحيدر said...

أجمعين يا رب العالمين ..

كم افتقدت التلذذ والاستمتاع بكتاباتك لغيابي خلال الفترة الماضية ..

ادامك الله ..

بو محمد said...

أحمد الحيدر

هلا بالحبيب أخوي بو كوثر
إن غاب اسمك فلم يغب طيبك
موجود بالقلوب عزيزي

عساك ما تفقد عزيز و غالي إن شاء الله

و تقبل امتناني على ما ترونه في كتاباتنا المتواضعة

شكرا أخي و أدام الله عليك و على أحبتك خيراته و رضاه إن شاء الله

دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله

Salah said...

أحسنت يا بو محمد

سؤال: الصورة من وين؟

:)

بو محمد said...

Salah

السموحة يا الغالي على التأخير في الرد
تأخرت شوي بالدوام و على ما ييت و أكلت، يعني لويه شوي

أحسن الله إليك حبيبي و احتسبك عنده من المحسنين إن شاء الله

اسمح لي يا بو مهدي
و ليسمح لي الجميع

أعتذر عن عدم إدراج مصدر الصورة

الصورة مصدرها هو

http://electriceggcream.com/

الطاهر هم انت يازت لك الصورة

هي صج عجيبه

تصلح حق مسابقات و رزنامة الصراحة

دمت و الاهلو الأحبة برعاية الله

Salah said...

معذور يا بو حمود

الله يعينك

ندري بالحال لانه ما يختلف الوضع عندنا وايد

:)

الصورة روعة

بس ماني مصدق انها طبيعية

يعني تهقة مو مركبة؟

:)

فريج سعود said...

عاشر الناس معاشرة إن غبت حنوا اليك وإن مت بكوا عليك

احسنت يا بومحمد الورد

بو محمد said...

Salah

أسأله جل و علا أن يعيننا جميعا يا بو مهدي و ييسر أمور كل مسلمة و مسلمة إن شاء الله

أدري و الله يا الغالي، بس تفرج بإذن الله و برحمة منه و عطف

لو رايحين الفلبين، جان كوموستكا و"two big mac" مابوتي و تو بق ماق
و بلابيل "يعني فلافل" و مبروك دكتور و خلصنا

و بالنسبة للصورة، ما أدري و الله يا حجي، بس اللي ركزت عليه زوايا أجنحة الطيور اللي تمثل العين، مو مثل بعض، و هذا يخليني أرجج انها يمكن تكون صج مو تركيب، و لكن أجسام الكيور اللي شكلت العين عبارو عن داوئر متماثلة تماما تقريبا، هتي يمكن صار اللعب و تضبطت االصورة

أنا حتى ما دققت في السايت إذا في تعليق على الصورة، على ولي حطيتها

:-)

دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله
-----
فريج سعود

تسلم يداك و ما خطتا
و أحسن الله إليك و لأحبابك و ذويك و من لهم حق عليك و احسبكم الله سبحانه و تعالى عنده من المحسنين

دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله